عن اللقاء الباريسي الأمني بين الشيباني وديرمر

ماجد عزام
عُقد مساء الثلاثاء الماضي اللقاء السوري الإسرائيلي الثاني في العاصمة الفرنسية “باريس”. ورغم الإطار السياسي العام للقاء، الذي تمّ بوساطة أميركية وتشجيع من فرنسا وتركيا والأردن، إلا أن الجوهر يبقى أمنيًّا – عسكريًّا بامتياز، تمامًا كما الأول الذي عُقد في باريس أيضًا نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي.
وبالتأكيد لا نقاش حول التطبيع وتوقيع اتفاق سلام بين الجانبين. أما القاعدة للقاءات، أقله من وجهة نظر دمشق المدعومة أميركيًّا وعربيًّا وتركيًّا وأوروبيًّا ودوليًّا كذلك، فتتمثل بتكريس سيادة سوريا الجديدة وسلامة ووحدة أراضيها، والحفاظ على اتفاق وقف النار الأخير الذي تم التوصل إليه منتصف تموز/ يوليو الجاري بعد الاشتباكات الأخيرة بجبل العرب، والذي يمنع إسرائيل من التدخل في الشؤون السورية الداخلية، مع بحث جدي بكيفية العودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 الذي انتهكته تل أبيب بفظاظة إثر سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ربما مع تحديث ما يتعلق بزيادة عديد القوات الدولية – يوندوف – وتواجد جنود أميركيين فيها، والانفتاح على فكرة لجنة تشكيل رباعية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، كما هو الحال مع القرار 1701 في لبنان.
لا حديث عن تطبيع أو اتفاق سلام نهائي، إذ لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. والجوهر كان أمنيًّا – عسكريًّا بامتياز.
إذن، وبناءً على وساطة أميركية من السفير بأنقرة والمبعوث إلى دمشق وبيروت “توم باراك”، عُقد مساء الثلاثاء الماضي اللقاء السوري – الإسرائيلي الثاني في باريس. ولكن، وقبل الحديث عن الجوهر الأمني – العسكري للقاء، حتى مع ترؤس سياسيين له، لا بد من التطرق إلى معطيين أساسيين متعلقين بالزمان والمكان.
زمانيًّا، ارتبط اللقاء الثاني كما الأول بالوساطة الأميركية بين دمشق وتل أبيب، وسعي واشنطن لتكريس وتقوية وقف إطلاق النار الأخير الذي تم التوصل إليه منتصف تموز/ يوليو الماضي إثر الاشتباكات الأخيرة في جبل العرب، بعدما أقحمت إسرائيل نفسها بطريقة فظة وعدوانية ودموية على خط الاشتباكات، بقصف رئاسة الأركان ومحيط القصر الرئاسي بدمشق والقوات الأمنية الشرعية المنتشرة في الجبل لفضّ الاشتباكات بين العشائر والجماعات الخارجة عن القانون هناك. مع التذكير هنا بتجاوزات إسرائيل وتدخلاتها الفظة في الشأن السوري، وانتهاكها اتفاق فك الاشتباك عام 1974، واعتباره حتى كأنه لم يكن، عبر احتلال المنطقة العازلة من الحدود والجانب السوري من جبل الشيخ، مع التذكير بأوامر رئيس النظام الساقط بشار الأسد وقبل هروبه بلحظات للفرقة الخامسة بالانسحاب من المنطقة، ما سهّل لإسرائيل انتهاك الاتفاق.
مكانيًّا، عُقد اللقاء في باريس ولكن من دون أي حضور أو انخراط فرنسي مباشر، مع الإشارة إلى قناعة واشنطن – حتى مع تراجع نفوذ وحضور فرنسا العام في المنطقة – إلا أن لا داعي لإخراجها نهائيًّا من المشهد. والانتباه كذلك إلى أن الحضور الأكبر في سوريا الجديدة هو للجارتين تركيا والأردن، وبالطبع للسعودية وقطر إضافة إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك لا نية لمنع فرنسا من الانخراط نهائيًّا في المشهد السوري، خاصة فيما يتعلق بـ “قسد” وإدماجها في الدولة السورية وفق اتفاق 10 آذار/ مارس الذي كانت واشنطن حاضرة فيه أيضًا، مع انخراط تركي في تفاصيله والمساعدة على تنفيذه بنجاح.
وفيما يخص جوهر اللقاء الباريسي الأخير، وكما المرة الأولى، فقد ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني بصحبة وفد عسكري – أمني من جهاز الاستخبارات الوطني المشكَّل حديثًا، ويملك عناصره وقادته خبرات جيدة من زمن الثورة ضد نظام الأسد، وتتطور أكثر مع الوقت ومساعدة الحلفاء والأصدقاء. في حين ترأس الوفد الإسرائيلي وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، الذي يعمل كمبعوث خاص ومساعد سياسي وأمني لصديقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الممسك فعلاً بالملفات السياسية والأمنية عبر مبعوثيه المقربين. كما يترأس ديرمر كذلك الوفد الإسرائيلي إلى مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وهي مفاوضات بلا جانب أو جوهر سياسي. علمًا أن ديرمر “الأميركي النشأة”، المفتقد للخبرة العسكرية ولم يتجند في الجيش، صديق مقرب جدًا لنتنياهو. وقد أعاد الأخير ذات مرة مشكلة فشل حملة إسرائيل الدعائية في العالم وخسارتها المعركة الإعلامية إلى عدم وجود شخصيات في مكتبه تتحدث اللغة الإنكليزية بلباقة، كما يفعل ديرمر، وبالطبع هو شخصيًّا.
وبالعودة إلى اللقاء الباريسي الأخير، فكما سابقه لم يكن سياسيًّا البتة، بمعنى أنه لا حديث عن تطبيع أو اتفاق سلام نهائي، إذ لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. والجوهر كان أمنيًّا – عسكريًّا بامتياز، ويتعلق أساسًا بتكريس وتقوية اتفاق وقف النار الأخير، وهو أهم بكثير، على ما يبدو، من لجهة كفّ يد إسرائيل عن التدخل في الشؤون السورية أو تعامل الحكومة الشرعية مع مواطنيها. وعليه جرى النقاش في مواضيع تتعلق بالواقع الراهن المتمثل بالانتهاكات الإسرائيلية بعد سقوط النظام، واحتلال المنطقة العازلة على الحدود وجبل الشيخ، والغارات والهجمات والتوغلات البرية في الجنوب ومحافظات أخرى. وموقف سوريا الجديدة هنا أيضًا واضح لجهة التمسك بسيادة البلاد ووحدة وسلامة أراضيها، وقدرتها على حفظ الأمن والدفاع عن مواطنيها، ورفض الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية، والتمسك باتفاق 1974 مع الانفتاح على تحديثه أو توسيعه، لكن بما لا يحوله إلى تطبيع أو اتفاق سلام. بمعنى توسيع عديد القوات الدولية “يوندوف”، وإشراك جنود أميركيين، وتشكيل لجنة للإشراف على تنفيذه برئاسة أميركية – سياسية وعسكرية – على نموذج أقرب إلى القرار 1701 في لبنان.
الشاهد في اللقاء الأخير والمشهد الباريسي ولقاءات الضرورة هو كف يد إسرائيل وتحجيم حضورها، ومنع الاستقواء بها في جبل العرب وسوريا الجديدة.
ولا يقل أهمية عمّا سبق الرفض السوري القاطع لفكرة، أو للدقة خدعة، الممر الإسرائيلي المزعوم إلى السويداء، فالممر الإنساني والسياسي والاستراتيجي والوطني أساسًا مع دمشق. وتقديم المساعدات للجبل ودرعا يجري على قدم وساق عبر المنظمات المحلية والأممية، كما تنفيذ اتفاق وقف النار متعدد المراحل الذي عُقد بوساطة أميركية – أردنية – تركية.
ثمة معطى مهم آخر ينبغي الانتباه له، كشفت عنه وسائل الإعلام العبرية خلال الفترة الماضية، مفاده أن إسرائيل كانت ترفض مجرد الحديث عن اتفاق 1974 واعتبرته من الماضي، ناهيك عن العودة إليه أو تحديثه. وهي كانت ترفض أي نقاش أو حوار مع سوريا الجديدة، حتى إنها رفعت السقف عاليًا فيما يتعلق بالجولان لمنع التفاوض لا للرغبة فيه. وقبل ذلك كان هناك حديث فظّ عن دعم خطط الانفصال والتقسيم. لكنها اضطرت إلى القبول باللقاء ومناقشة اتفاق 1974 نتيجة لضغط أميركي، إثر صدمة الغارات الأخيرة على دمشق – القصر والرئاسة والأركان – التي وُصفت من الإدارة الأميركية بـ “غير المبررة والمجنونة”، كما نقل موقع “أكسيوس” وثيق الصلة وحسن الاطلاع.
وبالعموم، فالشاهد في اللقاء الأخير والمشهد الباريسي ولقاءات الضرورة هو كف يد إسرائيل وتحجيم حضورها، ومنع الاستقواء بها في جبل العرب وسوريا الجديدة، وعدم تفريط الدولة بمسؤولياتها وواجباتها في الدفاع عن مواطنيها وسيادتها ووحدة أراضيها في الجبل والجنوب وجميع المحافظات. في حين العلاقة مع إسرائيل أمر مختلف تمامًا يتعلق بالإجماع العربي ومبادرة بيروت 2002. وبالتأكيد، لا حديث أبدًا عن التفريط بالجولان أو تقديم تنازلات إقليمية تتعلق بالمنطقة العازلة والجنوب وجبل الشيخ، مع التمسك بفرض الدولة السورية سيادتها وسلطتها على كامل أراضيها.